جلال الدين الرومي

33

فيه ما فيه

مثل هذا المقام . إذن فما دمت ترى في نفسك ألما وندما فهذا دليل عناية الحق ومحبته . وإن رأيت في أخيك عيبا فهذا العيب فيك لأنك تراه فيه والعالم كالمرآة ترى صورتك فيها ( المؤمن مرآة المؤمن ) فأزل هذا العيب عن نفسك ؛ لأن ما يغضبك منه هو ما يغضبك من نفسك قال : أتوا بفيل على بئر لكي يشرب فكان يرى نفسه على صفحة الماء ويجفل كان يظن أنه يخاف من فيل آخر ولا يدرى أنه يخاف من نفسه . وأنت لا تغضب بسبب الرذائل من ظلم وحقد وحسد وحرص وقسوة وكبر لأنها فيك فإن رأيتها في غيرك جفلت وغضبت . لا يتقزز الإنسان من دمامله ، يغمس يده المجروحه في الطعام ويلعقها ولا يتقزز أو يشمئز ، فإذا رأى في غيره أقل دملا أو جرحا صغيرا وغمس يده في طعام ما تذوقه واستساغة قط . كذلك الأخلاق مثلها مثل الدمامل والقيح لا يتقزز منها ما دامت فيه فإن كانت في غيره أو أقل منها اشمأز ونفر طبعه . وكما أنك تجفل منه فاعذره إن هو جفل منك واشمأز . اشمئزازك منه هو عين عذره ؛ لأن اشمئزازك بسبب رؤيتك لما فيه وهو أيضا يرى ما بك ( والمؤمن مرآة المؤمن ) ولم يقل ( والكافر مرآة الكافر ) ؛ لأن الكافر ليس لك تلك المرآة ولا يعرف غير مرآته هو . جلس ملك حزينا على شفا جدول وخافه الأمراء وفزعوا منه فلم تنسبط أساريره ، وكان عنده مضحك عظيم مقرب إليه فقال له الأمراء لو أضحكت الملك فسوف نعطيك كذا فقصد المضحك الملك ورغم كل مسعاه فلم يلتفت إليه الملك ولم يرفع وجهه عن صفحة الجدول فقال المضحك للملك : ماذا يرى الملك في ماء الجدول ؟ فقال : ديوثا فأجاب